عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

57

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

الباب السادس في أقسام المحبّين من السالكين اعلم أن السالكين لمقامات المحبة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : الأول قوم وصلوا إليها من طريق الحسّ والخيال ، ولم يجاوزوهما ، الثاني قوم وصلوا إليها من طريق الحسّ والعقل جميعا ، الثالث قوم وصلوا إليها من طريق العقل خاصّة متجاوزين لما قبله . [ القسم الأول : قوم وصلوا إلى المحبة من طريق الحسّ والخيال ] أما القسم الأول فموضوع محبتهم عالم الأجسام وحسن صورها وبديع أشكالها لا غير ، ولا تجاوز محبّتهم عالم الخيال الباطن ، فهؤلاء مفتونون بتناسب الهيئات وجمال رونق المرئيات ، وبدائع غرائب صنعة المخلوقات ، وفي هذه المحبة يستعمل كثير من رسوم المحبين من العوامّ مثل القرب والبعد الحسّيّين ، وكذلك الوصل والفصل والغيبة والحضور والحجاب والتجلي والفراق واللقاء وسائر أعراض الجسوم ، إذ لا يعقل أربابها إلا عوارض الجسم دون المعاني التي هي أرواح الأجسام . فلذلك نجد أرباب هذه المحبة قد أفنوا أعمارهم في ندب الربوع الدارسة والبكاء على الأطلال الطامسة والحنين إلى عرصات الديار ، والتلهّف على الكثبان والأحجار ، شوقا إلى ربّات الحجال ، ووجدا على ذات الخال والخلخال ، فقلوبهم بنار الوجد على المغاني محترقة ، ودموعهم إثر الظاعنين مستبقة ، يتزايد وجدهم عند رؤية الهوادج تحملها الجمال ، ويتجدّد غرامهم لمعاينة الآثار بين أحجار ورمال ، كل هذا من غلبة الوهم والخيال ، فإن الوهم يخيّل لهم أن عين الجمال المطلوب هو حسن الهيئة الحالّة في الأجسام وليس وراء ذلك شيء ، فاستحوذ هذا الوهم عليهم حتى عشقوها ، وأتلفوا نفائس نفوسهم فيها ، فأعماهم عشقهم لها عمّا وراءها من الجمال الحقيقي المتجلي عليها